عنوان البرنامج او الصفحة


مقالات و دراسات

بوادر جديدة لـ

 

 

بوادر جديدة لـ"إعصار" أزمة قادمة
الخليج.. يصطدم بجدار "الترهُّل الوظيفي"
 
 
على مدى عُقود مضت من عُمر دول مجلس التعاون الخليجي، ظلت القطاعات الحكومية والعامة فيها بمنزلة الملاذ شبه الوحيد لتوظيف المواطنين؛ في منهجية رتيبة تحولت معها تلك الجهات (وللأسف) إلى بوابة "وظيفة مَن لا وظيفة له"، حتى عندما بدأت جهود "الإفاقة" الراهنة من قبل الدول الست للتحول إلى مسارات تنموية جديدة تواكب التوجه العالمي، وتحطم قوقعة "الاعتماد على النفط"، والسير في طريق الاقتصاد المعرفي، وجدت نفسها تصطدم بجدار "أخطاء الماضي"؛ لتدفع اليوم ثمنًا باهظًا جرَّاء ما اصطلح عليه اقتصاديًّا بـ"الترهُّل الوظيفي"، الذي بدأ يُعيق بالفعل مسير عمليات إعادة الهيكلة الجزئية أو الكلية التي بدأت تخضع لها تباعاً هذه الجهات.
وفي ظل هذا الوضع المأزوم، ظلت إنتاجية العامل في الدوائر والمؤسسات الحكومية تشهد انخفاضاً مستمراً طوال السنوات الماضية، رغم أنها الفترة نفسها التي شهدت تضخماً وظيفياً متنامياً، سجلته مؤشرات ومعدلات متزايدة -ليست للباحثين عن العمل هذه المرة- ولكن (وبتسمية الأشياء بمسمياتها) لآفة "البطالة المُقنَّعة" التي طالت معظم أجهزة الخدمة المدنية بغالبية دول المجلس؛ فالأرقام المتواترة تشير إلى وجود عدد كبير من الموظفين والعاملين في المؤسسات الحكومية بصورة تزيد على الحاجة الفعلية لهذه المؤسسات.. ومع تنامي تلك الأرقام يومًا بعد يوم، وحقبة بعد حقبة، يحق أن نفتح هذا الملف الشائك بتساؤل: هل كل هذه الأرقام الضخمة من الموظفين يعملون بالفعل؟
وأستهل الإجابة من منظور آخر، لأقول إن أكثر مُضيِّعات الوقت في أغلب الدوائر الحكومية في مؤسسات دول المجلس قاطبة أثناء العمل الرسمي (وهو ما لم يعُد خافيًا على أحد)؛ هي: مطالعة الصحف، وقراءة المجلات، وتصفح "الإنترنت" والمكالمات الهاتفية للأغراض الخاصة ومراجعة المستشفيات أو متابعة حركة "الأسهم" في قاعات التداول. كل ذلك يُضاف إلى الوصول للعمل متأخراً، ومغادرته باكراً قبل انتهاء الدوام.. وللأسف الشديد لم تقع الأيدي على إحصاءات رسمية أو تقديرية حول أوقات العمل المهدورة خلال ساعات الدوام. ولكن إجمالًا لآراء العديد من الخبراء والقريبين من تلك الدوائر، فيمكن الوصول إلى رقم تقريبي بأن العاملين في مستوى الإدارة الوسطى بالقطاعات الحكومية الخليجية يُضيِّعون ما نسبته 22% من وقت العمل في أعمال خاصة لا تمتُّ للعمل الرسمي بأي صلة.
ومن هنا، باتت أزمة "الترهل الوظيفي" في كثير من مفاصل الدوائر الحكومية، هي السمة الغالبة؛ حتى ضمن الوزارات والمديريات المركزية؛ إذ لم تعد هذه الظاهرة تقتصر فقد على الدوائر والمديريات النائية والصغيرة.. ويستغرب المرء مما يشاهده يومياً على أرض الواقع أو ما يسمعه من الموظفين أنفسهم عن ملل وعدم وجود أي عمل لديهم حتى في بعض الهيئات الرسمية التي يُفترض أنها تقوم بدور مضاعف يتناسب ومسؤولياتها الموكولة إليها، بينما هناك عمَّال وموظفون يتفانون في العمل ولم يغيبوا لحظة واحدة عنه، خصوصا في قطاع الخدمات العامة كالصحة والتعليم والتربية والكهرباء والهاتف والمياه والنظافة...وغير ذلك.
ومن المُضحكات المبكيات فعلا، أن بعض الإدارات تشدد على الدوام فقط، ولا تكلف نفسها عناء وضع خطط عمل أو متابعة ميدانية لما يتم إنجازه من خدمات عامة المجتمع بأمس الحاجة لها، بينما إدارات أخرى تغط في "نوم عميق" ولا تكترث بما حولها، ولا بالقرارات التي تصدر من جهات أعلى، ولا تزال بيروقراطيتها المعهودة على حالها دون اكتراث بأوقات المراجعين وحاجاتهم الماسة لمتابعة معاملاتهم المنسيَّة على الأدراج منذ سنوات.
ويقف المواطن الخليجي متفحصًا الحال في بلاده، وما عداها من دول العالم الآخر، عاقدًا مئات المقارنات؛ ومتفحصًا في طبيعة عمل الموظف الحكومي في دول الخليج العربي، الذي يُعتقد أنه مع وجود تقنيات حديثة صار الأمر يتطلب منه جهداً ونشاطاً نوعيا أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً في مجال المعلوماتية والأتمتة والأرشفة الإلكترونية التي نحن بأمس الحاجة لها بعدما أثبتت الأحداث أهميتها لحفظ حقوق المواطنين وحقوق الدولة بآن واحد سواء في الأمور المالية كالضرائب والرسوم والمصارف والتأمين أو العينية كالمصالح العقارية والآليات ووسائط النقل والشحن...وغيرها، ولكنه بعد ذلك يخرج بـ"لا جديد على أرض الواقع".
استعراض الأزمة
... إن أزمة "التضخم الوظيفي" يمكن وصفها ببساطة (ولمن لا يعرف) بفائض أعداد الموظفين في المؤسسات والدوائر والمعامل الحكومية، بمعنى أن الحكومة تقوم بتوظيف أعداد من العمال أو الموظفين، لا يحتاجهم العمل الإنتاجي، أو الإداري، أو الصحي، والتربوي والتعليمي وما شابه، حيث تضطر الحكومة إلى مثل هذه التعيينات فقط لاستيعاب الخريجين الجُدد، أو لتقليل نسبة الباحثين عن عمل لديها. وعلى الرغم من التحذيرات التي تنطلق من هنا وهناك سواءً لخبراء بصفة شخصية أو منظمات محلية ودولية بأنه "إذا كان التوظيف غير مدروس، وشابته الفوضوي والارتجالية وعدم التخطيط، فإنه سيقود إلى تدمير اقتصاد الدولة على نحو عام"، إلا أننا نجد الجهود المبذولة لمواجهة تلك المعضلة لا تزال دون المستوى.
وحتى يكون العلاج ناجعًا، فلابد أن يكون التشخيص دقيقًا، ومن هنا نقول بأن أزمة "البطالة المقنعة" هي السبب الأول الذي يقف وراء تفاقم آثار "التضخم الوظيفي"، والأخير يقود بدوره إلى البيروقراطية الإدارية الخطيرة.. وخلاصة النتائج التي تنعكس عن التعاضد بين الثلاثة تتمثل في إضعاف الاقتصاد والاستثمار والإنتاج بوجه عام، وهي مقدمَّات فتاكة لإعصار قد يدمر (في حال استمرار مسبباته) مرتكزات أي دولة مهما بلغت من الازدهار عتيًّا.
وعلى طريقة "العصا والجزرة"، يمكننا أن نشير إلى أن الخطوات التي قد تتخذها أيٍّ من حكومات الدول الستة من أجل تقليص نسبة "الباحثين عن عمل"، يمكن أن ترفع من التضخم الوظيفي إذا كانت تتم بصورة عشوائية، أو تحدث لأسباب انتخابية، أو تأتي كمراعاة لأعضاء تكتل سياسي كبير متمكن في المسلك الحكومي، تعد أعضاءها بالتعيين وتوفير فرص العمل، فتضطر إلى تعيينهم حتى لو كانت الدوائر والمؤسسات الحكومية لا تحتاجهم (وليس أدل على مثل هذا التوجه من السياسة الوظيفية في دولة الكويت والتي كانت هدفًا لتقرير أخير لصندوق النقد الدولي لخصت "أعمال ومناقصات" نتائجه في عدد سابق)، بمعنى أوضح هناك وزراء يفضلون كادرا معينا يعمل معهم، حتى يضمن الوزير ولاء الموظف العامل معه، خاصة من يعمل في الوزارة نفسها، أو في الدوائر التي تتبع لها. وهذه ظاهرة يمكن ملاحظتها بوضوح، إذ رافقت جميع الدورات الانتخابية وما تمخض عن نتائجها (وهو ما يبين بوضوح في سوق العمل الكويتي والبحريني على وجه التحديد)، ومن هنا يتولد في هذه الحالة الفائض أو التضخم في أعداد الموظفين، وتبدأ مخاطر الفائض الوظيفي بالظهور، حيث تنعكس على الأداء الإداري والإنتاجي بشكل عام، ويزدهر السلوك البيروقراطي، وتنتعش ظاهرة الابتزاز من أجل تحصيل الرشا، والاختلاس وما شابه، فضلا عن تعقيد الإجراءات والخطوات الإدارية التي تتعلق بإنجاز المعاملات الفردية، والمشاريع التي تتعلق بالاستثمار والبناء والتطوير، وربما عقد الصفقات الوهمية أيضًا.
فيصبح "التضخم الوظيفي" عائقا خطيرا بوجه الحكومة؛ لدرجة أنها تصل لمرحلة تكون عاجزة فيها -بصورة شبه تامة- عن تطوير الخدمات والصحة والتعليم والتربية، وكل القطاعات الخدمية والإنتاجية.
ولعل الجانب الأخطر في اجتماع وتآزر العناصر الثلاثة لهذه الظاهرة: (التضخم الوظيفي- البطالة المقنعة- البيروقراطية)، يتمثل بالتدمير المتدرج الذي سيلحق بالاقتصاد؛ وهو الأمر الذي بات يفرض على كافة الحكومات الخليجية ضرورة التوجه السريع والقوي في آن، لمعالجة تلك الظاهرة وما يتبعها من مخاطر، وفق منهجية عِلمية عَملية تدرس الظاهرة واقعيا، بالدقة المطلوبة، وتخطط لسبل وطرق المعالجة الناجعة لها، ليتم البدء بعد ذلك والتنفيذ الدقيق والحازم من لدن الجهات المعنية، عبر تشريعات وإجراءات تتسم بالحزم؛ من أجل ضمان عدم انتشار النهج الإداري البيروقراطي، في المؤسسات والدوائر الحكومية.
... إن رحلة الوصول لهذا الهدف، تحتاج التزود بمعالجة جادة للتشريعات والصلاحيات الجوهرية الواضحة، من أجل مكافحة أسباب الابتزاز وتعويق الاستثمار، وكذلك وضع خطط توظيف جديدة تنبني على رؤية اقتصادية مستقاة من واقع الحال، ومن الحاجة الحقيقية للموظف؛ بمعنى أن يكون التوظيف استنادا للحاجة الفعلية، وليس استجابة لدوافع المحسوبية والواسطة وما شابه؛ لذا تحتاج هذه الظاهرة وكل ما ينتج عنها من مخاطر، إلى متابعة حقيقية ومعالجات تستند إلى التخطيط السليم الواقعي والتنفيذ الصحيح، من أجل مجلس تعاون خليجي أكثر تأثيرًا في المنطقة، بما يتوافق مع رؤى أصحاب السمو والجلالة، وبما يتسق مع رؤاهم المستقبلية في يخص الوضع الخليجي بشكل عام.
وفي الأخير.. فأغلب الظن أن الوقت بات مناسبًا لتدشين عمليات تدريب وتأهيل للكوادر الإدارية والفنية والإنتاجية بصورة أكثر جدية وعلى كافة المستويات، جنبًا إلى جنب مع البدء بتحديث المعلومات والإحصاءات وإجراء دراسات وأبحاث علمية تخصصية على ضوء المتغيرات خلال الفترة المقبلة للوصول إلى وضع خطط ورؤية متكاملة للمستقبل الخليجي؛ فالحاجة بالفعل باتت ماسة جدًّا لأن تتحول بلادنا إلى ورش عمل حقيقية بنتاج إجمالي حقيقي، حتى تكون النموذج الأمثل في المنطقة والعالم، خاصة ودول مجلسنا الموقر لديها ما يُؤهلها لذلك؛ سواء بالنظر إلى إمكانياتنا الكبيرة أو لموقعنا المنتظر في النظام العالمي الجديد.
 
 
قراءة تحليلية بقلم/ سامر شعلان

نقلاً عن أعمال ومناقصات